العربية والذكاء الاصطناعي في افتتاح الموسم الثقافي الرابع والأربعين لمجمع اللغة العربية الأردني

افتتح المجمع صباح اليوم الأربعاء الموافق للتاسع والعشرين من تموز لعام ٢٠٢٦م، في قاعة الأستاذ الدكتور عبدالكريم خليفة، فعاليات موسمه الثقافي الرابع والأربعين المنعقد في المدة من ٢٩ تموز حتى ٢٨ تشرين الأول لعام ٢٠٢٦م، بحضور رئيس المجمع الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت، وعدد من الأساتذة الأعضاء العاملين وأعضاء الشرف والسادة المختصين والأكاديميين، وجمهور من المفكرين والباحثين، وأساتذة الجامعات.
وقد استُهلّ الموسم بكلمة لرئيس المجمع رحّب فيها بالضيوف الكرام، مؤكدًا أن انعقاد هذا الموسم يأتي في سياق احتفالات المجمع بالعيد الخمسين لتأسيسه، ومشيرًا إلى ما تحقق خلال هذا العام من إنجازات علمية وتوثيقية بارزة.
وأوضح أن المجمع أنجز تكشيف مجلة المجمع للأعوام (٢٠٠٧–٢٠٢٥م)، إلى جانب إصدار كشاف خاص بالمواسم الثقافية التي عُقدت منذ عام ٢٠٠٠ حتى ٢٠٢٥م، فضلًا عن تخزين جميع مطبوعات المجمع على موقعه الإلكتروني، بما يسهم في تعزيز إتاحة المعرفة اللغوية للباحثين والمهتمين.
وبيّن أن مجلس المجمع اعتمد نظام التفويض في إجازة المصطلحات والمترجمات؛ من أجلِ إتاحة الفرصة للمختصين في العالم بهذا الباب في اللغة العربية والإفادة من جهود لجان المجمع حتى لا تبقى حبيسة محاضر اللجان المختصة.
وأكد البخيت أهمية الالتزام بالأصالة والجدّة في الأبحاث المقدّمة، محذّرًا من تنامي ظاهرة الاعتماد على الذاكرة الحاسوبية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وانصراف الباحثين شبه الكلّي في الوصول إلى النصوص الواردة في هذه الذاكرة، حيث إن كثيراً من الأوراق المقدمة إلى المواسم الثقافية لا ترقى إلى المستوى المطلوب للنشر.
وفي سياق متصل، كشف عن أن المجمع قدّم دراسة متخصصة حول الذكاء الاصطناعي إلى دولة رئيس الوزراء مؤخّرًا، نظرًا لما يحمله هذا الموضوع من أهمية وخطورة في الوقت ذاته، حيث أُحيلت الدراسة إلى معالي وزير الاتصال الحكومي لمتابعة التوصيات ورفعها.
كما أعلن رئيس المجمع عن إنجاز التحضيرات لعقد مؤتمر علمي بعنوان: "المعجمية العربية في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي: قرن الاستدارة والتحول الكبير في صناعة المعاجم العربية"، يتناول أثر الحضارة العربية في القرن التاسع عشر على الحضارة العربية الإسلامية فيما اصطلح عليه بمرحلة التنظيمات.
وفي ختام كلمته، أشاد بالجهود التي يبذلها العاملون في المجمع في رصد الألفاظ والمصطلحات المستخدمة في وسائل الإعلام، مشيرًا إلى أن المؤشرات الأولية تعكس واقعًا لغويًا مقلقًا في بعض القنوات، مختتمًا بتساؤل محوري: "لغة الإعلام الأردني والعربي إلى أين؟"، معلنًا به افتتاح أعمال الموسم الثقافي.
من جانبه ألقى رئيس لجنة الندوات والمحاضرات الأستاذ الدكتور علي محافظة الذي ترأس الندوة الأولى من هذا الموسم كلمةً خاصةً رحّب فيها بالحضور والقائمين على تنظيم هذا الموسم، وعرض ورقتين بحثيتين، الأولى لعضو المجمع الأستاذ مأمون الحطاب بعنوان: "اللغة العربية والذكاء الاصطناعي السلبيات والإيجابيات"، والثانية للأستاذ رامي عوض المدير التنفيذي التقني ((CTO لشركة ((Ed Ral في المملكة العربية السعودية، بعنوان: "اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي/ الفرص والتحديات".
وقد تناول الحطاب في بحثه المعنون بـ: "اللغة العربية والذكاء الاصطناعي السلبيات والإيجابيات"، واقع العلاقة بين اللغة العربية والذكاء الاصطناعي من زاوية تقويمية توازن بين السلبيات والإيجابيات، موضّحًا الإطار الإبستمولوجي الذي قامت عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي اللغوي، وواقع تمثيل اللغة العربية في النماذج اللغوية الكبرى، بوصفه السياق العام لفهم التحديات الراهنة.
كما استعرض الحطاب السلبيات التي رصدتها الدراسة، وحدّدها في ثلاثة مستويات متدرجة: أولها مستوى البنية والتمثيل، وما يرتبط به من تركة تاريخية متراكمة، وآليات تقطيع النص بصورة غير متناسقة مع الخصائص الصرفية والنحوية والخصائص البنيوية للعربية، ومستوى اللغة العربية المترجمة، وتضييق الفصاحة، واختزال الهوية الثقافية، والانحياز الثقافي، والتأثر والتغذية الراجعة، ثم مستوى السيادة المعرفية والسردية الذي تقدمه الدراسة بوصفه أخطر السلبيات، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي ليس تقنية محايدة، بل منظومة تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والسياسية والاقتصادية والثقافية، الأمر الذي يجعل ضعف تمثيل اللغة العربية في هذه النظم مساساً بسيادة أهلها على معرفتهم روايتهم.
أما إيجابيات الذكاء الاصطناعي فقد حددها الحطاب في خمسة ميادين، وهي: إحياء التراث، والمعاجم الحية والمصطلح، والتعليم، والترجمة الرفيعة، وإنتاج المحتوى العلمي الأصيل.
وخلص في ختام ورقته البحثية إلى أن الكفة الراجحة بين الإيجابيات والسلبيات لا تحددها التقنية في ذاتها، وإنما يحددها موقف أهل العربية ومؤسساتها العلمية والثقافية من توظيف هذه التقنيات واستثمارها، وأدوار الفاعلين وبرنامج عمل وتوصيات موجهة إلى المجامع اللغوية، والجامعات، وشركات التقنية، والمؤسسات الثقافية، بهدف تعزيز حضور اللغة العربية في منظومة الذكاء الاصطناعي وصون سيادتها المعرفية.
في حين ركّز الأستاذ رامي عوض على العلاقة بين اللغة العربية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مسلطًا الضوء على ما تتيحه هذه التقنيات من فرص واعدة في مجالات التعليم، والترجمة، وتحليل المحتوى، وخدمة ذوي الإعاقة، فضلًا عن إسهامها في حفظ التراث وتعزيز الحضور الرقمي العربي.
ثم استعرض عوض جملةً من التحديات التي تواجه توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة العربية، من أبرزها الخصائص الصرفية والنحوية المعقدة، وغياب التشكيل في النصوص، وتعدد اللهجات، إلى جانب نقص البيانات اللغوية عالية الجودة، وما قد ينجم عن ذلك من تحيزات خوارزمية، فضلًا عن مخاطر الاعتماد غير النقدي على المخرجات الآلية، معتمدًا منهجًا وصفيًا تحليليًا، سعى من خلاله إلى الربط بين خصوصية اللغة العربية ومتطلبات الأنظمة الذكية، وصولًا إلى تصور متكامل يعزز فاعلية هذه التقنيات في التعامل مع العربية.
وختم بحثه بنتيجة مفادها أن توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة اللغة العربية يستدعي تعزيز التعاون المؤسسي بين اللغويين والتقنيين والتربويين وصنّاع السياسات، بما يضمن تطوير أدوات دقيقة وآمنة وعادلة، تسهم في ترسيخ مكانة العربية في بيئة المعرفة الرقمية.
وفي نهاية الجلسة عقدت مناقشة حوارية بين الأستاذين المشاركين وجمهور الحضور.
وسيعلن المجمع لاحقًا عن التوصيات الصادرة عن ندواته الست.